رئيس "دبي السينمائي" لـ"العين": طريق المهرجان إلى العالمية يمر بالمحلية

رئيس مهرجان دبي السينمائي عبدالحميد جمعة


8 أيام كاملة يكرسها مهرجان دبي السينمائي بدورته الـ13 لإلهام عشّاق السينما ونجومها ونقادها وجمهورها. العرس السينمائي الذي ينطلق في 7 ديسمبر 2016 ويستمر حتى 14 منه، يحتفي بـ156 فيلما عربيا وعالميا تعكس الشغف اللامتناهي بهذه الصناعة وبعالمها.  

المهرجان الذي يكمل إسهامه في تطوير السينما العربية وفي الإضاءة على أجمل الإنتاجات العالمية والعربية يطلق هذا العام أيضاً برمجة مكثفة من الأفلام التي تعرض للمرة الأولى والتي ستدفع المرء إلى الهرع بين صالة وأخرى في محاولة منه إلى متابعة أكبر قدر منها.

“دبي السينمائي”، كغيره من الفعاليات السينمائية الدولية، يأتي في ظل تغيرات متسارعة ومتزايدة على صعيد التقنية وما حملته وتحمله من تأثيرات على السينما وعلى الإنتاج البصري بشكل عام. أسئلة عديدة تثار حول مستقبل السينما في ظل الدفق البصري وتأثير السوشيال ميديا وما توثقه من يوميات وتقنية الأبعاد الثلاثية والرباعية وتقنية الواقع الإفتراضي. وأسئلة أخرى حول السينما العربية وقضاياها والسينما الإماراتية وتقدمها حملناها إلى رئيس المهرجان عبد الحميد جمعة في لقاء خاص مع بوابة “العين” الإخبارية.

 “مهرجان دبي السينمائي” يعتبر من أبرز الأحداث الثقافية الإماراتية والعربية، ما هي أبرز ملامح دورته الـ13؟

 في دورة عام 2016، نقدم 156 فيلماً، 57 منها في عرض عالمي أو دولي أوّل، و73 فيلماً في عرض أوّل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و12 فيلماً في عرض أوّل في الشرق الأوسط، و9 أفلام في عرض خليجي أوّل والمهرجان ككل عام يشكل منصة ثقافية لعرض الأفلام السينمائية وتبادل الخبرات وتوطيد العلاقات والروابط السينمائية. ونحن نفتخر دوماً بإسهام المهرجان في تطوّر السينما العربية، سواء كان ذلك عن طريق مواكبة المواهب المحلية، جنباً إلى جنب، مع صنّاع السينما العالميين، أو عن طريق تقديم الدعم والخبرات للأجيال الصاعدة من المخرجين السينمائيين.

نحن نفتخر بأننا من أصل أكثر من 3700 مهرجان للسينما، نأتي في المرتبة 15، وهذا ليس غريبا على مدينة دبي. نحن نواكب التطور السريع في الإمارات. ونتلقى دعماً لافتاً من الحكومة والقطاع الخاص والجمهور وصناع الجمهور، ذلك على الرغم من أن موعد المهرجان يأتي في آخر مسبحة خريطة المهرجانات الدولية، وتسبقنا على الرزنامة السنوية مهرجانات عريقة ككان وتورنتو، لكن مع ذلك نجد صناع السينما ينهون أفلامهم بين شهري 6 و7 ويحفظونها للمشاركة في مهرجان دبي السينمائي الذي يعطيهم حيزا خاصا.

هذا لا يعني أننا لا نعرض أفلاماً سبقتنا مهرجانات عريقة بعرضها، بل ندرجها في برنامجنا، مخالفين عقودنا أحياناً، ذلك لأن همنا السينما ولا يهمنا فقط أن نتباهى بأننا أول من عرضها. ومن جهة ثانية لا يجوز أن نظلم مهرجان دبي ومقارنته مع مهرجانات عريقة، كالبندقية الذي أصبح عمره فوق الـ70 سنة على سبيل المثال.

10 أفلام في دورة هذا العام تقدم بتقنية الواقع الإفتراضي VR، 5 منها تُعرض للمرة الأولى عالمياً، كيف يلتمس مهرجان دبي طريقه وسط التطور التقني المتسارع؟

بالفعل نحن نشهد على تغير متسارع بشكل كبير، إذ كنا نتحدث عن 18 شهرا لعمر التغير والتقنية ومن ثم بضعة أشهر، واليوم نتحدث عن تغير وتطوير شبه يومي.. ونحن في مهرجان دبي السينمائي نعيش وسط هذه التغيرات ولا نغيب عنها، وفي كل دورة نخوض النقاش حول هذا التغير مع مختصين ونقاد وخبراء نستضيفهم في جلسات خاصة في المهرجان وأيضاً من خلال تقديم أفلام بتقنية “الواقع الإفتراضي” للمرة الأولى ونحن على ثقة أنه ما تسابق كبار صنّاع السينما في العالم لإنتاج أفلامهم بهذه التقنية؛ إلا دليل على أهمية فتح آفاق جديدة أمام السرد القصصي والبصري على حدّ سواء.

نحن نؤمن أن السينما ليست تقنية فقط، بل ثقافة وفن، وأن كل المخاوف والأسئلة التي تطرح اليوم حول مستقبل السينما، سبق أن طُرحت حول مصير الراديو عندما ظهر التلفزيون ومن ثم الإنترنت ومن ثم الموبايل والسوشيال ميديا ومع كل تقنية جديدة كان الخوف على تلك التي سبقتها يتزايد، لنكتشف أن معظم الوسائل والوسائط تصمد بطريقة أو بأخرى والتغير الحاصل يطرأ على شكلها ووظيفتها من دون أن يلغيها.

في مجال السينما قد تتغير طريقة التصوير بشكل جذري، وتطرأ تغيرات على طريقة عرضها.. لكن بالرغم من كل ذلك لا أعتقد أن السينما ستنتهي لأن مجالها مختلف وتجربة متلقيها مختلفة، وستبقى الحاجة إلى الوجود في غرفة مظلمة أمام هذه الشاشة الكبيرة، ومشاهدة فيلم مع أشخاص غرباء في توقيت محدد.. وستبقى الحاجة إلى التجريب والتحرر من أي قيود.. فها نحن بعد 125 من تاريخ السينما والتطور والتقدم نشهد على إنتاج فيلم بالأسود والأبيض من جديد وها هو ينال الإعجاب والعديد من الجوائز.

يعيش العالم بأسره في زمن دفق بصري هائل ساهمت فيه التكنولوجيا ومواقع التواصل الإجتماعي، كيف يمكن “تجيير” هذا الاندفاع لتوثيق اليوميات، لصالح أعمال إبداعية؟

هذا الدفق البصري الذي نشهده اليوم يمكن أن “يجير” لعمل إبداعي بإنتاج أفلام قصيرة تصور بالموبايل، ولا تكون مجرد لقطات متفرقة من دون فكرة محددة، لذلك لدينا مثلاً مسابقة “سامسونج” للأفلام القصيرة بسنتها الرابعة. لكن أيضاً نحن بحاجة إلى التعامل مع السينما كعلم يدرس لا إبداع وموهبة فقط، لهذا أتمنى أن يكون لدينا عدد أكبر من المعاهد السينمائية التي تجذب الشباب وتحول شغفهم إلى أعمال إبداعية رائدة. نريد لشبابنا أن يحملوا الكاميرات ليعبروا عن أنفسهم بحرفية بقصة تصل إلى كل أنحاء العالم.. من خلال كاميرات محترفة، وكاميرات هواتف عالية الجودة.. لا من خلال الرشاشات.

الدورة الـ13 لمهرجان دبي السينمائي، تحمل 13 فيلماً إماراتياً، هل بدأتم بحصد ما زرعتم في الأعوام الماضية؟

نحن نؤمن أن الطريق إلى العالمية هي المحلية. ولن يستمر المهرجان بقوته إلا بالاهتمام ببيته، وأعتقد أننا نشهد تغيراً ملحوظاً في السينما الإماراتية التي نعمل على دعمها منذ إنطلاقتنا وبعد 15 سنة من اليوم ستتكرس أكثر فأكثر مدرسة السينما الإماراتية.

الشابات والشباب الإماراتيون المشاركون اليوم نشأوا في أروقة مهرجان دبي للسينما ومهرجان السينما الخليجية. نحاول أن نصل بأعمالهم إلى العالمية، ولدينا مثال بارز هو فيلم “ساير الجنة” وصل إلى 30 مهرجانا، وهو فيلم إماراتي بحت نابع من البيئة الإماراتية.

 ونسعى أيضاً إلى تنظيم ورش عمل خاصة لهم، حول رسوم التحريك، الأفلام الوثائقية، كيفية الحصول على تمويل لأفلامهم. وأيضاً نختار الأفلام العالمية لتدعم معرفتهم وخبرتهم وتعطيهم فكرة معمقة عن صناعة السينما التي تعود انطلاقتها إلى 125 سنة. وإضافة إلى ذلك أطلقنا قبل سنتين مبادرة التوزيع لنشر أعمالهم أكثر في العالم العربي والعالم، وأيضاً هناك جائزة IWC لأفضل سيناريو وقيمتها 100 ألف دولار وهذا العام يشارك فيها فيلمان إماراتيان نتمنى أن ينالا نصيبهما من الفوز والتشجيع.

برأيي، إن صناعة السينما ممكن تقف على عاتق 6 مخرجين، ونحن لدينا أكثر من 6 مخرجين إماراتيين مبدعين.

ما هي أبرز القضايا التي تأملون من السينما الإماراتية الإضاءة عليها؟

السينما الإماراتية تعكس هوية المجتمع الإماراتي الذي يتمتع بخصوصية معينة ويتميز بالتسامح والابتكار وتقبل الآخر والتعلم، الأمن والأمان.. لكن أيضاً، نحن نقدر هذه النعم من دون أن ننسى ما يحصل في سوريا والعراق واليمن والتطرق إلى مآسيهم وأزماتهم والإضاءة عليها.

أهل الإمارات هم أصحاب قصص، والفكرة اليوم هي بكيفية تحويل هذه القصة الشفوية التي سمعناها من أجدادنا إلى سيناريو ومن سيناريو إلى فيلم. هناك عدسة مختلفة للفيلم الإماراتي، ربما لا تختلف كثيراً عن الفيلم الخليجي، لكنها تتطور وسيكون لها صناعة خاصة بها.

السينما مرآة للمجتمع، ومرآة لداخل الإنسان وثقافته وعلاقته مع أهله وبيئته مع العالم. علينا أن نركز على إيصال قصة معينة لشريحة أكبر من الناس. السينما تذكرنا أن البشر كيان واحد.

كيف توظفون علاقاتكم بالمهرجانات والجوائز السينمائية الدولية لدعم مهرجان دبي والسينما العربية؟

بعد العمل لسنوات على بناء علاقات وثيقة مع أبرز صناع وخبراء السينما في العالم، نظمنا أخيراً لقاء مطولاً وخاصاً مع أعضاء لجنة تحكيم الجولدن جلوب وعرضنا عليهم فيلمين عربيين (اشتباك وبالحلال) وأعطينا الفرصة للقيمين عليهما بعرض أفكار العملين وتعريف اللجنة عليهما.

نحن نعرف أن الأفلام العربية لا تصل بسهولة إلى المهرجانات العالمية التي يصل إليها آلاف من الأفلام.. لهذا قررنا أن نذهب ونطرق عليهم الباب ونعرفهم على ما ينتجه صناع السينما في العالم العربي. وطبعاً هذه المبادرة ستكون سنوية.

وأيضاً نستضيف هذا العام شيريل بوون إيزاكس، رئيس أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة “الأوسكار” في جلسة حوار مفتوحة نتناقش فيه بأبرز القضايا المطروحة في عالم السينما اليوم.

تواجه السينما العربية تحديات متزايدة، ما النصيحة التي تواجهها للعاملين في هذا المجال من مخرجين وممثليين وفنيين؟

صناعة السينما لها مقومات عديدة، وبدياتها السيناريو الجيد، والحرفية في الإخراج والتمثيل والضوء والصوت وتجارب الأداء.. لهذا تطوير السينما العربية والإماراتية تحتاج إلى مهارات في كل المجالات وليست فقط إلى مخرج موهوب ومحترف ووممثل مبدع. كل شخص عمل في الفيلم له دور في نجاحه، ونحن إلى مهرجان لا ننظر فقط إلى النجوم، بل نحترم ونقدر كل من ورد اسمه في جنريك الأفلام.

المسألة المهمة التي تسهم في تطوير السينما هي في اختيار قصة محددة، وليس عليها أن يعالج كل مشاكل العالم في قصة واحدة.

المصدر :- العين