"مائة عام من العزلة".. أيقونة ماركيز الخالدة

“مائة عام من العزلة” لماركيز.. طبعة جديدة في سلسلة “المائة كتاب”

“رجل واحد استطاع أن يصير رمزًا لعالم بكامله، بعد أن كسرَ لعنة العزلة المفروضة على قومه وأبناء وطنه”.. تصف هذه العبارة الذكية الدقيقة الكولومبي الأسطوري؛ الكاتب الروائي الراحل جابرييل جارثيا ماركيز (1928-2014)؛ أحد أساطين الرواية وعباقرتها بلا منازع خلال القرنين الماضيين.. ماركيز، الشهير بـ”جابو”، تعد سيرة حياته بتعقداتها وتشابكاتها، ولحظاتها المفصلية، لحظات الإحباط والفشل ولحظات الانتصار والفوز والوصول إلى أقصى ما يطمح إليه كاتب، الشهرة والمال والانتشار الساحق، كل ذلك يعد رواية ضخمة بمعناها الحقيقي، سجل منها ماركيز نفسه جوانب منها في عمله الروائي “عشت لأروي”.

وإذا كان ماركيز الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1982، قد ملأ الدنيا وشغل الناس بإبداعاته ورواياته التي ترجمت إلى أغلب لغات العالم، فإن درته الروائية الخالدة “مائة عام من العزلة”، ما زالت بدورها قادرة على شغل الناس، وجذب الملايين في كل بقاع الدنيا للوقوع في دائرة سحرها وجاذبيتها باعتبارها أبلغ وأروع تمثيل لكتابة ما عرف بـ”تيار الواقعية السحرية” في الرواية العالمية.

لهذا يبدو الاهتمام الذي توليه الأوساط الثقافية في مصر بصدور طبعة جديدة من ترجمتها التي اضطلع بها القدير صالح علماني، مُبررا بل مُفسِّرًا لحالة الاحتفاء الشديدة التي صاحبت صدور هذه الطبعة، خاصة إذا كانت هذه الترجمة قد استطاعت “أن تقتنص الظلال الشاردة، الخافتة، فيما وراء المكتوب، في سلاسة فاتنة، أخاذة”، بحسب ما كتب محرر السلسة على ظهر غلاف الرواية.

وإذا أضفنا إلى ما سبق أن هذه الطبعة لم يتجاوز ثمنها الثمانية جنيهات مصرية، في الوقت الذي كانت تباع طبعاتها السابقة، في مصر، في ما بين المائتين والمائتين والأربعين جنيها! فإننا ندرك إلى أي مدى تستحق هذه الطبعة الاحتفال والاحتفاء معا.

الترجمة رفيعة المقام لمترجم قدير بحجم صالح علماني، صدرت ضمن سلسلة “المائة كتاب” (هي بدورها جزء من سلسلة “آفاق عالمية” التي تضطلع بنشرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بأثمان زهيدة)، السلسلة التى يشرف عليها الشاعر والمترجم رفعت سلام، تعتبر في الحقيقة، أهم سلسلة تترجم عيون الأدب العالمي في مصر، وتوفره بسعر زهيد جدًا، ولديها مخطط طموح وعظيم لترجمة أهم مائة عمل أدبي في التاريخ، أنجزت منه قرابة الثلث.

هناك إجماع في الأوساط الأدبية والثقافية العالمية على اعتبار رواية “مائة عام من العزلة” لماركيز، إحدى درر الرواية العالمية في القرن العشرين، بل إحدى الروائع النادرة للإبداع الروائي على مر العصور. عالم سحري واقعي مذهل؛ تمتزج فيه الفانتازيا الخارقة بتفاصيل الواقع المدهشة، بدون انفصال، ليتشكل عالم بأكمله وشخصيات من لحم ودم تنبض نشاطا وتضج حيوية وحركة، حياة استثنائية هي أقرب للأسطورة منها إلى الحقيقة، تضيء المصائر الغريبة للحضور الإنساني.

نعود إلى ماركيز أو “جابو” الذي حكى عن نفسه أنه تربى على يد أجداده في قرية صغيرة في الكاريبي خلال فترة من التغيرات السياسية والاجتماعية العنيفة التي كانت تجتاح كولومبيا في ذلك الحين. يصور ماركيز بسحريته الواقعية ومزجه بين الحقيقة والخيال كيف تشكلت نواة عمله الأروع “مائة عام من العزلة”.

سنرى بأعيننا كيف تعرض في يوم واحد لتقلبات الثلج والبرد الشديد والحر في نفس الوقت مما ترك أثره عليه ليصبح جزءا من مقدمة “مائة عام على العزلة”، التي أعلنت تدشين تيار روائي بأكمله ساد لأكثر من ربع القرن، وما زالت تأثيراته سارية حتى اللحظة الراهنة في أنحاء متفرقة من المعمورة، هو تيار “الواقعية السحرية” في الأدب والفنون.

يستهل ماركيز “مائة عام من العزلة” بهذه الأسطر:

“بعد سنوات طويلة، وأمام الفصيلة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام، لم يجد الكولونيل أوريليانو بوينديا سبيلا إلا تذكر تلك الأمسية البعيدة حين حمله أبوه ليرى الثلج. ماكوندو، حينئذ، كانت قرية من عشرين بيتا مبنية بالطين وأعواد القصب البري على ضفاف نهر تجري مياهه الشفاف متسرعة فوق قاع من صخور بديعة بيضاء، هائلة الجرم كأنها بيوض طائر من عصور ما قبل التاريخ، لقد كان العالم جد وليد حتى إن أشياء كثيرة كان يعوزها الاسم ولكي تذكر ينبغي أن تستعمل الأصبع في الإشارة إليها”..

وكأن ماركيز صور بقلمه الفذ أصداء تلك الفترة المبكرة من حياته التي اختزنتها ذاكرته وسجلتها حواسه، ليحيلها أدبا سائغا شرابه لملايين من قرائه في جميع أنحاء الدنيا.

لحظة إلهام ماركيز بهذه الأسطر الافتتاحية لـ”مائة عام من العزلة”، جاءته بينما كان يقود سيارته إلى الشاطئ بصحبة زوجته وابنيه، فى المكسيك عام 1965، ولدت فكرة الرواية في هذه اللحظة، لم يكتب لها الاكتمال بعنوان المنزل، وحتى إتمامها فى مئات الصفحات وإرسالها للناشر في البريد العادي على قسمين لعدم توافر النقود اللازمة لإرسالها دفعة واحدة.

القارئ لهذه الرواية سيلحظ بوضوح الإرهاصات الأولى ومصادر الإلهام لعالم قرية ماكوندو السحرية في طفولة ماركيز وعلاقته بجده الجنرال السابق وجدته ذات الأحلام والتكهنات. بين الرواية وسيرة ماركيز، سنجد أنفسنا أقرب إلى حالة بطولة جماعية، فإلى جانب الجد والجدة وسرب النساء من الخالات والجارات اللاتي أحطن بطفولة جابو، لم ينبت الروائي الكبير من فراغ تام، ودائمًا ما وُجد بالقرب منه من يرعاه ويهتم بأحواله، سواءً بائعات الهوى اللاتي أقام بينهن لفترة وأعرنه صابون الاستحمام وكوين له قمصانه، أو أصدقاء الكتابة الذين كانوا يترددون على بيته هو وزوجته مرسيدس، في زيارات تبدو عفوية، لمجرد أن يحملوا إليهما بعض الأطعمة ولوازم البيت، خلال فترة العام ونصف العام التي اعتزلها ماركيز لكتابة روايته الخالدة.

“مائة عام من العزلة” عمل روائي تأسيسي، ضخم، ملهم، لعدد كبير من الكتاب والمؤلفين الذين صارت حياتهم في اتجاه مخالف تماما لما كانت عليه قبل أن يقرأوا “مائة عام من العزلة”!

المصدر :- العين