من سلفادور دالي إلى إيزابيل آلليندي: الأطعمة كوجبات ثقافية

مشاهد من تجليات الطعام في الفن والأدب

ذوّب سلفادور دالي (1904-1989) الساعات. منح الأشجار وجوه البشر وربما أرواحهم. قولب الرجال والنساء في صورة الأشياء والحيوانات. تؤرخ لوحات الرسام الإسباني لثورة السوريالية في أقصى تجلياتها. كرس العبقري (كما سمى نفسه في كتابه “يوميات العبقري”) حياته من أجل قضيته الخيالية: حطم كل ما حوله من أشياء وأشخاص باستثناء أمه وزوجته غالا. رسم عشرات اللوحات ومئات المخططات. ألّف كتبا. صنع أفلاما. وخلّف وراءه كتابا بفن الطبخ! لم يشع هذا الكتاب كثيرا، إذ لم يطبع منه سوى 400 نسخة، لكن سيعاد إصداره متضمنا 136 وصفة.

عنوان الكتاب هو Les Diners De Gala “عشاءات غالا” والوصفات التي يتضمنها قام دالي وزوجته بجمعها على مدى سنوات عديدة من كبار الطهاة في الحفلات الفاخرة التي كانا يلبيان الدعوات إليها. وبطبيعة الحال فإن الكتاب يتضمن الكثير من الرسوم التوضيحية التي تبسّط ملذات الطعام للذواقة والهواة والمحترفين.

كتاب دالي عن الطعام هو تمجيد آخر لهذا الفن الإنساني التي اضطلعت به منذ الأزل الأمهات، واستلبه منهن في عصر الاستهلاك المنفلت الطهاة النجوم في مطابخ المحطات الفضائية.

مفكرون ومبدعون، قبل دالي وبعده انبعثت روائح الطبخات من صفحات كتبهم، على الأقل من باب سرديات ثقافات الشعوب، وليس من اعتقادات نصف نساء العرب، بأن الطريق إلى قلب الرجل، تمر بالضرورة في معدته. وبناء على هذا الاعتقاد راحت النساء، يحشين أزواجهن بألوان المسبّك والمحمّر والنص نص، حتى آل حالهم إلى أثقال لا تَرفَع ولا تُرفع.

وعلى سبيل المثال، فقد كشفت الروائية التشيلية إيزابيل آلليندي عن وجه آخر للطعام، أو على وجه التحديد عن دوره في العلاقة بين الرجل والمرأة، أو بشكل أكثر وضوحا عما تسميه العلاقة بين الشراهة والشبق. فقد غاصت إيزابيل في عادات الشعوب الغذائية، وخبراتها في إعداد الأطعمة، واكتشاف مؤثراتها المباشرة والجانبية، وخرجت بكتاب عنوانه “أفروديت” يجمع بين دفتيه ثقافة الطعام بين الشرق والغرب، وأكثر من نصفه وصفات مجرّبة لمن يهمه، أو يهمها الأمر.

قبل هذا الكتاب، كانت ثقافة الطاعم عند غير المهتمين قارّة في معارفها الأوليّة: يحتاج الإنسان إلى ثلاثة أنواع من الأغذية هي البروتينات والنشويات والفيتامينات، ويستخدم في الطهو ثلاثة طرق هي السلق والقلي والشيّ، ولسانه يميز أربعة مذاقات هي الحلو والمر والمالح والحامض.

جاءت كشوفات إيزابيل لكي تنير طريقا سلكه كثيرون على غير هدى. فلم يعرف العرب من مأكل ينعش حضورهم غير الجرجير، الذي يتمتع بينهم بسمعة زعيم لم تدركه مفسدة الحكم. ويبدو أن رجالهم بالغوا في التهام هذه العشبة اليانعة، حتى اكتسبوا صفات الحملان. جلّهم وليس كلّهم.

تتصدر التوابل والبهارات قائمة إيزابيل آلليندي للمأكولات التي تشحذ الهمم. وقبل ذلك كان الظن أنها الحل المثالي للتغطية على أخطاء الزوجات في الوصفات المعقدة. لكن الدراسات أثبتت دور التوابل في حفظ الأطعمة في بلدان منشأها الحارة، وإن كان ذلك لا يبرر حملات القراصنة والمغامرين والتجار نحو الشرق للحصول عليه، لو لم يكن له ذلك السحر وراء الأبواب المقفلة. بغض النظر عن الفارق بين رائحة الكاري الهندي والعطور الفرنسية مثلا.

لكن المكانة الخاصة محفوظة دائما للبحريات. وفي قائمة إيزابيل حشد من الكائنات الهلامية والقشريات التي يحتاج منك ابتلاعها، إلى التحلي بشجاعة فدائي والتخلي عن عفة ناسك. الأولى تعوزها القدرة، والثانية تنقصها الخبرة.

ومن أعجب ما تتضمنه قائمة أفروديت وكيوبيد ذلك التبجيل الذي تمنحه إيزابيل آلليندي للبصل والثوم. وهي مسألة تحتاج من الشريكين إلى قدرات استثنائية على التحمل. وعلى ما يبدو، فإن هذين المحصولين نفّاذي الرائحة لهما مكانتهما عند مبدعي التشيللي. يكفي أن تشاهد الفيلم الرائع El Postino(ساعي البريد)، لكي تقع على ذلك المشهد الأخاذ عندما كان الشاعر بابلو نيرودا يقشّر بصلة، وهو يعلّم ساعي البريد كيف يكتب قصيدة بوح لحبيبته.

كتب دالي وآلليندي عن ثقافة الطعام من زاوية الهواية ربما، أو توسيع المدارك، مداركهما الشخصية. لكن عندما تعكف على قراءة كتاب “مطبخ زرياب” للكاتب والناشر السوري المقيم في باريس “فاروق مردم بك”، والصادر عن مشروع “كلمة” التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، تدرك حقيقة الدور الذي لعبته وتلعبه الأطعمة والعادات الغذائية في سطوع الحضارات وضمورها. كتاب مردم بك جولة حقيقية في مطابخ الشعوب منذ العصر البابلي إلى عصر ما بعد الحداثة. تقرأ معه توصيفات علمية للمحاصيل الزراعية، ولحوم الحيوانات الداجنة والطرائد، ومن ثم تقف معه أمام الحلل والطناجر وهو يعد الوصفات ويقارن بينها ويبين منافعها.

في الكتاب نكتشف أشياء مدهشة عن ثقافة الطعام. فالمؤلف الذي يجزم بأن “الفلافل تساوي كل همبرغر العالم”، يكشف بأن لدى الباحث مكسيم رودنسون، كتاباً طبع عام 1949 حول بعض الوثائق العربية القديمة المتعلقة بالطبخ. وهو مأخوذ من مؤلف حلبي عاش في أواخر القرن الثالث عشر وهو ابن العديم.

 يضاف إلى ذلك أنه صدرت عن دار “أكت سود” الفرنسية سلسلة كتب بعنوان “الشرق النهم”، نُشر منها 12 كتاباً لمؤلفين عرب وأجانب من ضمنها “المطبخ العباسي”، ترجمه ونشره رياض الريس بعنوان “مطبخ الخليفة”، و”المطبخ العثمان” لكاتب تركي، وكتاب عن المطبخ الحلبي، وآخر عن المطبخ الدمشقي والكسكس في المغرب.

وهذه المسألة ليست ولعاً شرقيا فحسب. أذكر، قبل سنوات، برنامجا تلفزيونيا وثائقيا أعده باحث بريطاني عن مطبخ بلاده الفقير عموما. وقد توقف فيه عند نوع من الحلويات يسمى Pound Cake (باوند كيك).

والـPOUND في الإنجليزية هو اسم العملة المتداولة حاليا، فضلا عن أنه وحدة وزن (قرابة 450 غراما) فقد اكتشف أن أصل هذا الطبق يعود إلى العصر الشكسبيري، ففي إحدى رواياته إشارة إليها.

وبناء على هذه المعلومة، استبعد الباحث أن يكون أصل التسمية يعود إلى العملة، باعتبار أن العملة المتداولة في ذلك الزمن كانت الشلن. ثم استبعد أن تكون التسمية نابعة من الوزن، فقطعة الحلوى قد تكون أصغر أو أكبر من الباوند. وعندما أعيته الأبحاث، جاءه التفسير بمحض الصدفة في مسقط رأس شكسبير. على ضفة البحيرة الصغيرة كان هناك جد وحفيده يتمشيان، وعندما اقترب الصغير من حافة الماء حذره الجد من السقوط في الـ Pound وهي لفظة محلية محرفة لكلمة Pond (بركة). أدرك الباحث أن ذلك هو أصل التسمية، فقطعة الحلوى المحشوة ببرتقالة كاملة وبكمية من شراب (البراندي) تسبح عندما تفتح في الطبق بما يشبه البركة. كان ذلك درسا لغويا، انطلق من طبق حلوى تقليدي.

“الأكل” نشاط إنساني يفوق بأهميته أي نشاط آخر. يقول سيجموند فرويد إن غريزة الجوع تتفوق على غريزة الجنس بعشرين ضعفا، لكن يبقى للطعام ذلك الدور غير المكشوف، ربما، في صياغة الحس الجمعي للشعوب في الإطار الوطني أو الديني. ففي روايتها “ثلاثية غرناطة” سردت رضوى عاشور شذرات من دور الأطعمة والولائم في تمسك الأندلسيين بتراثهم وحضورهم، في اللحظة التاريخية التي كان كل تاريخهم خاضعا للإلغاء والتغييب.

المصدر :- العين