التخطي إلى المحتوى
الأسرار الخفية لقبول مصر قرض النقد الدولي
مصطفى بركات

 

الشروط التي يفرضها الصندوق الدولى لمنح الدول المتعثرة القروض ما هي سوى بوابة خفية لاستعمار جديد بهدف فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وتحويلها إلى مستعمرات لواشنطن دون إطلاق رصاصة واحدة.

 

الأزمات الاقتصادية التي تلاحق الجميع الآن، ليست وليدة الصدفة بل جميعها مرتبطة بصانع القرار الدولى والمالك الوحيد للورقة الخضراء، وعلى الرغم من سهولة توفير قيمة القروض التي يقدمها البنك الدولى، يبدو أن الخضوع له قارب نجاة من الغرق في دوامة الإفلاس وفرض العزلة الاقتصادية على عواصم العالم بمباركة أمريكية.

 

الصين نفسها القوة الاقتصادية الهائلة خضعت مؤخرا لتعويم “اليوان” أمام الدولار بعد عقود من الرفض راضخة للمستعمر الجديد حتى تتمكن من وضع عملته في سلة العملات الدولية بعد محاصرتها.

اقرأ أيضا: تعرف على الحد الأدنى لراتبك بعد تطبيق قانون الخدمة المدنية

ومنذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر لم تخرج بيانات إشادة أمريكية بحقه وحق نظامه مثلما انهالت أمس بعد قرار تعويم الجنيه وتحريك الدعم عن المحروقات، خطوات القاهرة التي أشادت بها واشنطن بهدف تسهيل منح البلاد 12 مليار دولار من البنك الدولى، ما هي إلا جزء صغير من خطة الصندوق لطحن فقراء مصر والعرب بشكل عام ووضع يده على أرقام هذه الدول من خلال مندوبها السامى الذي يكفل له مهمة متابعة هذه القروض.

 

وعلى الرغم من حبة الدواء المر التي ابتلعتها مصر والخطوة التي تحمل مخاطر مستقبلية يبدو أنها أقل الضررين قبل إجبار القاهرة على إعلان إفلاسها ودخولها دوامة المصيبة الكبرى.

 

وخلال التقرير التالى تعرض “فيتو” أهم ملامح مؤامرة النقد الدولى على الدول العربية بما فيها البترولية بهدف دخولها الحظيرة الأمريكية من البوابة السياسية النقدية.

 

إعلان إفلاس مصر 

 

في خضم أحداث يناير أعلنت مصر عن رفضها شروط النقد الدولى المتعلقة بتعويم الجنيه ورفع الدعم عن المحروقات ورفع الدعم عن السلع التموينية، نتيجة مناقشات سابقة، وفيما يبدو أن الصندوق كان الرابح الوحيد من ثورات الربيع العربى، ومع تدهور اقتصاديات الدولة بسبب توقف عجلة الإنتاج وتراجع إيرادات السياحة وشلله تماما مع حادث الطائرة الروسية في شرم الشيخ، أظهر النقد الدولى الجزرة من جديد مصحوبة بعصا التهديد بإجبار الدولة على إعلان إفلاسها.

 

مديرة الصندوق كريستينا لاجارد قالتها صريحة “لا قروض دون تنفيذ الشروط”، مماطلة القاهرة لم تجد مع الوحش الاقتصادي، ورضخت نهاية الأسبوع الجاري لغالبية الشروط “تعويم الجنيه، وتحريك دعم الطاقة”، وبات من المؤكد التوجه لإلغاء الدعم استكمالا للمطلوب..الخطوات المتعجلة جاءت قبل اجتماع المكتب التنفيذي للنقد الدولى للبت في الموافقة من عدمها على منح القاهرة قيمة القرض على دفعات.

 

التضخم في السودان

 

مطلع شهر أكتوبر الماضى في ظل انشغال المصريين بأحوالهم الداخلية، لم تلتفت وسائل الإعلام لخبر دعوة صندوق النقد الدولي السلطات السودانية إلى تشديد السياسة النقدية لكبح جماح التضخم، وأبدى ترحيبه بالتقدم الذي أحرزه السودان في اتجاه تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي والنمو عقب انفصال جنوب السودان في العام 2011 وذلك على خلفية العلاقات الخارجية الصعبة التي تواجهها البلاد.

 

وشدد المجلس وقتها على ضرورة ضبط سعر الصرف والتحرك بقدر أكبر نحو المرونة وذلك بهدف تحسين القدرة التنافسية والحد بشكل كبير من زيادة السوق الموازية، مشجعًا السلطات على إعداد جدول زمني لإزالة القيود المفروضة على النقد الأجنبي وممارسات أسعار الصرف المتعددة في أقرب وقت ممكن.

 

تزامنا مع القرارات المصرية، أعلن السودان عبر وزير ماليته، بدر الدين محمود عن السياسات الاقتصادية الجديدة في البلاد، مؤكدا أن ميزانية العام الجديد 2017 تستهدف نموا في حدود 5.5% للناتج المحلي، وخفض معدلات التضخم، وتحديث سعر الصرف وإصلاح سعر الصرف، لذلك هناك زيادة في أسعار الكهرباء والمحروقات البترولية.

 

ووفقا للأسعار الجديدة في السودان فإن سعر لتر البنزين للمستهلك يبلغ 6 جنيهات سوداني، والجازولين للمستهلك 4.11 جنيهات، والكيروسين سعر الجالون 18.8 جنيهًا مع الإبقاء على الأسعار القديمة للكهرباء بالنسبة للقطاعين الصناعي والزراعي، بحسب ما أوردته “سكاي نيوز”.

 

وبحسب المعلن فإن البدء في تنظيم سوق النقد الأجنبي بإعلان منح الحافز عند شراء النقد الأجنبي للمغتربين والمصدّرين، لتغطية الفجوة بين سعر الصرف في السوق المنظمة والموازية إلى جانب خفض فاتورة الاستيراد بمنع السلع غير الضرورية.

 

وشهد اجتماع الحكومة صباح أمس الخميس، المصادقة على حزمة السياسات الاقتصادية الجديدة، من ضمنها منع استيراد اللحوم والأسماك وزهور الزينة والحيوانات.

 

استهداف الخليج 

 

الخليج الراقد على ثروة نفطية دوله هي الأخرى ليست ناجية من براثن المؤامرة الاقتصادية وسياسة التركيع الاقتصادي، ويوم 27 أكتوبر الماضى خرجت علينا مهندسة العمليات القذرة للصندوق ومديرته التنفيذية “كريستينا لاجارد” داعية ودول مجلس التعاون الخليجي إلى مواصلة الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية.

 

وقالت في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن “هذه الإجراءات ضرورية من أجل تنويع الدخل من خلال دعم الاقتصاد الخاص وإيجاد مصادر بديلة للنفط لأن الدخل المعتمد عليه تقلص بشكل كبير”.

 

المدهش والمثير في الأمر أيضا، طلب المملكة العربية السعودية قرضا من الصندوق بقيمة 10 مليارات دولار، وأشارت مصادر بالصندوق لموقع الحرة الأمريكى سعى دول خليجية أخرى تجري مفاوضات على قرض من البنك الدولى بقيم مختلفة.

 

رضوخ تونس 

 

اليوم حضرت مديرة مكتب المغرب العربي بالبنك الدولي ماري فرنسواز ماري نيلي جلسة استماع في صلب اللجنة المالية بالبرلمان التونسي، حول برنامج الشراكة بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي خلال الفترة الممتدة ما بين 2016 – 2020، وأكدت دعم البنك الدولي تونس بقرض بقيمة 2.5 مليار دولار لاستعادة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل ودعم خطط الحكومة في مواصلة إجراء الإصلاحات الاقتصادية وتحفيز الاستثمار.

ورغم أن برنامج الشراكة بين البنك الدولي وتونس، وفقًا للخطاب الرسمي الذي أعلنه البنك الدولي، يهدف إلى إرساء عقد اجتماعي قائم على اقتصاد عصري تشمل مجالاته مشاريع لدعم التشغيل وأخرى في مجال المياه والتعليم العالي، فإن هذه الشراكة تستهدف إخضاع تونس لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي واتباع منوال التنمية الخاص بهما والموجود في عدد من البلدان بمعنى أنها عملية استنساخ لمثال عالمي يتم فرضه على كل البلدان، في حين أن المنوال التنموي التونسي قادر على فض كافة الإشكاليات باعتباره يأخذ بالخصوصية التونسية.

 

وكان صندوق النقد الدولي أعلن في مايو 2014، عن إيقاف جميع القروض والمساعدات المبرمجة لتونس إلى حين استكمال حزمة الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، وقد تزامن هذا الإنذار مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدّلات التضخم إلى مستويات قياسيّة بلغت حينها 6.2 في المائة، لكن، وبالمقابل، لم تقْدِم مختلف الحكومات التي سيّرت البلاد خلال المرحلة الانتقالية بين 2011 و2014، على تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، وذلك لاعتبارات سياسية وانتخابية عدّة، واكتفت بتقديم الوعود والتعهّدات.

 

ومع تولي حكومة الحبيب الصيد السابقة زمام الأمور في أوائل 2015، بدت خطوات الحكومة التونسيّة متسارعة لتنفيذ حزمة الشروط المطلوبة لضخ مليارين و800 مليون دولار في خزينة الدولة التي لمّح القائمون عليها في أكثر من مناسبة إلى اقتراب شبح الإفلاس منها والعجز المرتقب عن صرف الأجور. 

 

واستطاعت الحكومة التونسيّة فرض إجراءاتها «الشرعيّة»، مستفيدة من أغلبيتها النيابيّة، وتحالفها مع الإسلاميين، بالمصادقة تباعًا على رسملة البنوك العمومية في 6 أغسطس 2015، وتمرير قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ في 13 نوفمبر 2015، وتقليص الدعم، لا سيما على المحروقات، وتجميد الانتدابات في القطاع العام، والمصادقة على مشروع الاستثمار الجديدة، وأخيرًا مشروع إصلاح الضرائب.

 

ليبيا فريسة جديدة 

 

خلال الأيام الماضية ورغم الانقسام الحاد في ليبيا، سارع البنك الدولى لاصطياد فريسة جديدة في طرابلس خلال اجتماع عقد في لندن، للمجلس الرئاسي الليبي بقيادة فايز السراج، كشفت وسائل إعلام من كواليسه عن عقد اجتماع بين السراج ومسئولين من البنك الدولى، تمهيدا لتقديم طرابلس طلبا رسميا بالحصول على قرض إنقاذ للحكومة المتهاوية في طرابلس والتي تعانى من الاقتتال الداخلى بين مجموعة متناحرة من الميلشيات الإسلامية.

 

ويبدو أن مجلس السراج الذي فرضه المجتمع الدولى على ليبيا، جاء لتمرير قرض النقد الدولى لتكبيل ليبيا وتمكين المحتل الجديد من وضع يده على مواردها النفطية بذريعة القرض المشؤوم.

 

الأردن والمغرب 

 

في يوليو الماضى، فوضت الحكومة الأردنية وزير المالية ومحافظ البنك المركزي بالتوقيع على مذكرة التفاهم مع صندوق النقد الدولي بخصوص برنامج الإصلاح المالي والإداري للسياسات الاقتصادية والمالية الذي ستلتزم به الحكومة من 2016- 2021.

ومع نشر التفويض في الجريدة الرسمية بدأت الحكومة تنفيذ سلسلة من الإجراءات التي نص عليها الاتفاق مع الصندوق، والمتضمنة إجراءات ضريبية وأخرى في أسعار الكهرباء كانت لقيت في السابق معارضات شعبية.

 

وتضمنت الإجراءات زيادة السجائر، وزيادة بدل نقل ملكية السيارات لجميع المركبات ما عدا النقل العمومي وتخفيض النفقات الجارية للمؤسسات والوحدات الحكومية المستقلة.

 

فيما يخص قطاع المياه والطاقة، فتشمل الإجراءات خيارات تعديل تعريفة الكهرباء وفقا لتغيرات أسعار النفط عالميا مع نهاية سبتمبر2016، وتم تبني آلية لتعديل تعرفة الكهرباء تلقائيا وفقا للتغيرات في أسعار النفس العالمية وأن تطبق اعتبارا من مطلع عام 2017.

 

المملكة المغربية هي الأخري حصلت على عضوية “نادي القرض”، قال صندوق النقد الدولي في شهر سبتمبر الماضى، إن موافقته على منح المغرب قرضًا ماليًا “خط الوقاية والسيولة” بنحو3.47 مليارات دولار الشهر الماضي، يهدف إلى الرفع من نسبة النمو، معتبرًا أنه قرض وقائي ضد الأخطار والصدمات الخارجية.

 

وأوضح الصندوق وقتها، أن منح المغرب هذا القرض، يأتي لاحقًا لاحترامه الشروط التي يضعها الصندوق، مبرزًا قوة والعناصر الاقتصادية للبلاد والإطار السياسي.

 

الأهداف الخفية 

 

الأهداف الخفية لقروض صندوق النقد الدولى كشفها أحد مندوبيها ويدعى “جون بروكنز” في كتابه الشهير “اعترافات قرصان اقتصادي” روى في صفحاته كواليس المؤامرات التي يتبعها الصندوق لإخضاع الدول لقبول قروضها وكان من أبرز هذه القصص الرشوة الجنسية التي قدمت لأمير سعودي بهدف تسهيل مهمته في إقناع الرياض بالموافقة على تمويل مشروع شركة نفايات.

 

جميع ما ورد في فصول هذه الكتاب تكشف طريقة دفع الفريسة إلى فخ القرض وكيفية محاصرتها حال الفرار، وفى شكل أكثر وضوحا للقارئ العادي، فقد يمثل رفض مصر والدول العربية لقروض النقد الدولى إشارة خضراء لسلسلة من المؤامرة تتمثل في النقاط التالية.

 

أولا، عدم منح الدولة شهادة ثقة، الأمر الذي ينعكس على تعاملاته المالية الخارجية ويعيق حصولها على قروض تمويلية من كافة الجهات الدولية ويتم وضعها بـ”القائمة السوداء”.

 

ثانيا، هروب الاستثمار الأجنبي من الدولة وعزوف رجال الأعمال في جميع أنحاء العالم من الاستثمار بالدولة الرافضة خشية التعرض لهزيمة مالية قاسية في التحويلات المالية حال خرجت عملة الدولة من سلة العملات المتداولة عالميا بناءً على تعليمات الصندوق.

 

ثالثا، دفع الدولة الرافضة لإعلان إفلاسها، بهدف وضعها كرهينة لدى المشتري للدين العام للبلاد، ما يمكنه من فرض القرارات السياسية المتعلقة وتحويلها لعاصمة منزوعة القرار.

التعليقات

error: اهلا بكم محتوى محمى
X
الموقع يعمل بنظام مشاركه الارباح بنسبة 100% الان
%d مدونون معجبون بهذه: