"ما يشبه السيرة الذاتية"، كوروساوا سفير اليابان الثقافي

– غلاف الكتاب، “ما يشبه السيرة الذاتية” لـ أكيرا كوروساورا

يقف المخرج الياباني العملاق، أكيرا كوروساوا، كأحد أهم أعمدة السينما العالمية منذ أوائل الخمسينيات وحتى اليوم، وإذا كان اليابانيون يقولون إنه إمبراطور السينما اليابانية، فثمة إجماع بين مبدعي ومثقفي العالم بأنه كان سفيرا عملاقا للثقافة اليابانية التي تصل متأخرة عن وصول الصناعة اليابانية إلى جميع أنحاء العالم.

ترك إمبراطور السينما اليابانية وشاعرها الأكبر دون منازع، سيرته الذاتية أو ما أطلق عليه هو “ما يشبه السيرة الذاتية” في واحد من أهم كتب السيرة الذاتية في القرن العشرين. عن منشورات المتوسط، صدرت طبعة جديدة من كتاب أكيرا كيروساوا بعنوان “عرق الضفدع، ما يشبه السيرة ذاتية” ترجمه المخرج السينمائي فجر يعقوب.

يترك لنا كيروساوا في “عَرَق الضفدع” ما يُشبه سيرة ذاتية، وأسرار أفلامه اللاحقة، فالكتابة عنده غموض ياباني، تذكّره بالضفدع المتروك في علبة محاطة بداخلها بالمرايا التي تصوّر له تشوّهات صوره، وتعددها، فيُفرز العَرَق الذي يتحوّل إلى نقيع مغلي، يساعد على مداواة الجروح والحروق. المرايا كثيرة من حول هذا المخرج الإمبراطور الذي وقف في مواجهة “سوني، هيتاشي، سانيو، لانسر، مازدا، كاسيو”، وكل تلك القائمة الكبيرة من الماركات التجارية التي تعتصر ذاكرة الإنسان المعاصر، فتخنقه، ولا ينزّ منه عَرَق يجدي، أو ينفع.

ما يشبه السيرة الذاتية يترجمها الناقد فجر يعقوب عن المخرج الياباني أكيرا كيراساوا (1910-1998) الذي يجمع مؤرخو السينما على أنه أحد أهم ثلاثة مخرجين عرفتهم السينما على الإطلاق. كيراساوا الذي قادته المصادفة إلى ولوج هذا العالم الساحر ليكون فيما بعد أحد كبار السحرة فيه،

عامل في إحدى الاستوديوهات، ثم إلى مخرج تفرد بأسلوب ومنهج في العمل، جعله مثلاً أعلى لأجيال من السينمائيين. فيلسوف وجد في الكاميرا أداته للبوح برؤاه عن أسئلة الوجود والانتماء، عن الموت، ثم عن الحقيقة عندما تلبس وجوها عدة.

تكمن عظمة كيروساوا، إنه فكر بصوت عال، في مجتمع تحكمه تقاليد صارمة وتراث تاريخي عظيم، يكفي لانغلاقه على نفسه، مجتمع للمقدس فيه حضور طاغ، وليس غريباً أن يقول إنه يفكر في قلبه وليس في رأسه. ومثل نبي لم تكن له كرامة في وطنه الذي عامله كابن عاق وجاحد، فأخذت عليه نخبهم تأثره الواضح بالثقافة الغربية، بينما كان يؤمن أن ليس للفكر وطن، وهو الإيمان الذي جعله يخاطر بحياته في أكثر من عشرين محاولة انتحار.

في رائعته (راشومون) استفاد من تكعيبة بيكاسو وبراك وأيضاً من تكنيك البوليفونية في الرواية الحديثة في تجسيد رؤاه ليخلص إلى أن للحقيقة وجوها متعددة، حيث تسرد تفاصيل جريمة قتل عن طريقة أكثر صوتا موهماً المتلقي أن الحقيقة تكمن في كل منها، ويختار من شكسبير عمله المكتظ بالأسئلة (الملك لير) ليقدم تحفته البصرية (ران) متناولاً فيها مصير الإنسان من وجهة نظر سماوية، ويذهب إلى (أبله) ديستوفكي في أرقى معالجة عرفتها السينما لعمل أدبي، و(الأبله) هو عمل ديستوفسكي الذي ينطوي على خلاصة فلسفته بالحياة. قبل أن يفتح له الروس ميزانيتهم ليقدم رائعته “ديرسو أوزالا” التي تعد أحد أهم كلاسيكيات السينما على مدى تاريخها.

وإذا كان اليابانيون يعيبون على كيرا ساوا غربيته، فإن الغرب لم يتوان عن محاكاة ما أبدع من منجز السينما، ويكفي أن نشير إلى أن فيلمه “الساموراي السبعة” كان الموضوع الذي نوع عليه عديد من المخرجين لعل أبرزهم سيرجيو ليوني في فيلمه الشهير “من أجل حفنه من الدولارات”. عظمة هذا الساموراي الأخير أيضا، أنه لم يؤمن في أن السينما تنطوي على رسالة ما، وإن كان لا بد لك من إيصال فكرة، فعليك أن تتوسل لها وسيلة ممتعة، السينما لديه قبل كل شيء متعة، ثم لا بأس من أن تحملها ما تريد. السينما بالنسبة له، كانت هي السينما لا غير.

من أجواء الكتاب نقرأ:

“الزلزال الكبير الذي ضرب «كانتوسكو » ترك أثرًا بالغًا في حياتي كلها. لم أعِ قدرات القوى الظلامية للطبيعة فحسب، فقد انكشفت لي -أيضًا- جوانب غير جلية في الروح الإنسانية. لقد غيّر الزلزال الكثير من الحياة حولي. الشارع القريب من “أدغوفا” والذي كان يمر منه “الترامواي” استوى هو وموجوداته بالأرض. وظهرت جزر صغيرة في مجرى النهر. في حارتنا لم يك هناك تدمير، لكن معظم المنازل قد سويت على جانبي الطريق وغرقت “أدغوفا” بغيوم من الغبار، وكل شيء كان يبدو غريبًا، فالشمس لا تجدي نفعًا وسط هذه الأغبرة، حلّ الظلام الكلي، وتحوّل الناس إلى أشباح، خرجت لتوّها من الجحيم”.

مؤلف الكتاب، المخرج الياباني أكيرا كوروساوا، ولد في عام 1910، وهو واحد من صنّاع السينما الأكثر أهمية وتأثيراً في تاريخ السينما العالمية. أنجز 30 فيلماً على امتداد حياته المهنية التي امتدت لـ 57 عاماً (وضع في الكتاب ثبت بأعماله). حين حصل على جائزة الأوسكار عن مجمل أعماله في العام 1990، لُقب حينها بـ “آسيوي القرن في الفن والأدب والثقافة). توفي كوروساوا عام 1998.

أما مترجم الكتاب، فجر يعقوب، فسينمائي وروائي فلسطيني يعيش في السويد، تخرج في المعهد العالي للسينما في صوفيا – بلغاريا عام 1994. له مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة التي حصلت على جوائز في مهرجانات عدة، له أكثر من عشرين كتابا بين الترجمة والتأليف حول شؤون النقد السينمائي. شارك كعضو لجنة تحكيم في مهرجانات سينمائية عربية عدة. له رواية مطبوعة بعنوان (نقض وضوء الثعلب) وخمس مجموعات شعرية.

يكتب فجر يعقوب في جريدة الحياة اللندنية في شؤون السينما والتلفزيون منذ نهايات عام 2000.

المصدر :- العين