ننشر تحليل أحمد السيد النجار لما بعد التعويم: «حتى لا تصل مصر للتبعية الكاملة»

الرئيس والحكومة مسؤولون عما يحدث وسيحدث سواء كان إيجابيا أم سلبيا

الكلام عن أن صندوق النقد يستهدف “الإصلاح الاقتصادي” للدول إفك صريح

عجز الموازنة العامة تجاوز مستوى 12% من الناتج المحلي وهو سبب رئيسي للتضخم

10% من السكان الراشدين في مصر كانوا يملكون 73,3 % من إجمالي الثروات

يجب ضبط الواردات بإجراءات سيادية والإيقاف المؤقت لاستيراد بعض السلع الكمالية

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يعني تطوير قدرات البلد على إنتاج السلع والخدمات بكفاءة

 

ردود فعل كثيرة على قرار الحكومة أمس الخميس بتحرير سعر الصرف، حذرت من مغبة الآثار الاقتصادية البالغة التي ستترتب على القرار.

وكان البنك المركزي قد أعلن تحرير سعر الصرف أو ما يعرف بتعويم الجنيه، ليخضع لقوانين العرض والطلب، تاركا للبنوك حرية تحديد السعر بشكل مستقل.

وبعد ساعات قليلة أعلت الحكومة خفض الدعم عن الوقود، ما أدى إلى زيادة أسعاره، وطبقت هذه القرارات بعد منتصف الليل مباشرة.

أحد الآراء الرافضة لسياسة التعويم هو الدكتور أحمد السيد النجار، الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، وهو اقتصادي ينحاز لتدخل الدولة في الاقتصاد لا التخلي عنه.

كتب النجار مقالا تحليليا نشره في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، رد فيه على مبررات الحكومة لتعويم الجنيه، ومع رفضه للقرار من الأساس لكنه فضل أن يوضح الآثار المترتبة عليه وما الإجراءات التي ستقلل من الكارثة، وعرض أيضا للفرق بين “الإصلاح الاقتصادي” بمفهوم صندوق النقد الدولي الذي وعد مصر بقرض قيمته 12 مليار دولار مقابل الإجراءات الأخيرة، وبين الإصلاح الاقتصادي الوطني القائم على الإنتاج بشكل أساسي.

وننشر هنا مقال أو تدوينة النجار الطويلة كاملة.

“قامت السلطات النقدية بتخفيض سعر الجنيه المصري وتعويمه. وهذا القرار الخطير ذو التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتشعبة لا يمكن أن يتخذه محافظ البنك المركزي دون موافقة الحكومة والرئيس، أي أن الجميع مسئولون عما جرى ويجري وسيجري من نتائج إيجابية أو سلبية لهذه السياسة. وكان التعويم مطلب دائم لصندوق النقد الدولي منذ عقود ضمن ما يسميه برنامج “الإصلاح” الاقتصادي، حيث تتركز عناصر ذلك البرنامج في تخفيض أو تعويم العملة المحلية، وخصخصة القطاع العام، وإنهاء الدور المباشر للدولة في الاقتصاد، والتحرير الكامل للأسواق الداخلية وللعلاقات الخارجية، وتحميل الفقراء والطبقة الوسطى لأعباء ما يسميه برنامج الإصلاح الاقتصادي عبر تخفيض الدعم ورفع أسعار السلع وزيادة الضرائب غير المباشرة أي الضرائب العمياء التي تصيب كل من يستهلك السلعة أو الخدمة التي فرضت عليها دون تمييز مثل ضريبتي المبيعات والقيمة المضافة.

وإذا كان صندوق النقد الدولي يسمي البرامج التي يقدمها للدول المدينة والمتعثرة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، فإن ذلك إفك صريح بحكم الخبرات التاريخية فأوروبا كلها بعد الحرب العالمية الثانية قامت فيها الدولة وقطاعها العام بدور هائل في الاقتصاد حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، والعملاق الصيني بنى نهضته الاقتصادية الهائلة متبنيا سياساته الخاصة، وما زالت شركات الدولة الصينية تقود اقتصاد ذلك البلد العملاق. ودول شرق آسيا تبنت نموذج الدولة المقاول وحضانات المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتعاونية. ولم تطبق كوريا الجنوبية توصيات الصندوق إلا بعد أن تعرضت لأزمة مالية ضخمة عام 1997، لكنها كانت قد حققت قفزتها الاقتصادية وأصبحت قوة اقتصادية كبرى. وحتى عندما تعرضت دولة تملك اقتصادا حرا مثل ماليزيا لأزمة ضخمة عام 1997 فإنها لم تطبق برنامج الصندوق واعتمدت على برنامجها الخاص الذي قام على تأجيل مشروعات البنية الأساسية والعقارية والتركيز على المشروعات الإنتاجية وتقليص الواردات لاستعادة التوازن الخارجي وإيقاف التعويم والاعتماد على التسعير التحكمي المتغير للعملة.

والحقيقة أن كل ما يقدمه صندوق النقد الدولي تحت مسمى “الإصلاح” هو روشتة أيديولوجية جامدة لا تراعي ظروف أي بلد وهي فاشلة كليا في حالة الاقتصادات التي تبدأ عملية البناء والتطور أو التي تبني نفسها بعد حرب أو حالة اضطراب سياسي واقتصادي. أما في حالة الاقتصادات التي حققت نموا ونهوضا وتواجه مأزقاً مالياً فيمكن تطبيقها واستعادة التوازن أو النمو حتى ولو بتكلفة اجتماعية باهظة حيث يتم تحميل تكلفة “الإصلاح” للطبقات الفقيرة والوسطى. ويستهدف برنامج “الصندوق” تهيئة البيئة للرأسمالية المحلية والأجنبية بكل شرائحها وبخاصة الطفيلية للعمل والاستحواذ على مقدرات الأمة مع تحميل الفقراء والطبقة الوسطى بتكاليف ما يسميه إصلاحا.

وينطلق النموذج النظري لصندوق النقد والبنك الدوليين من أن تخفيض سعر صرف العملة المحلية لأي بلد متعثر مقابل الدولار والعملات الرئيسية يؤدي إلى تخفيض أسعار صادراته في الخارج لدى تقويمها بالعملات الحرة شرط ثبات أسعارها بالعملة المحلية مما يؤدي لرفع قدرتها التنافسية في الخارج بما يساعد على زيادتها. لكن الواقع يقول أن أسعار السلع المحلية لم تثبت بل ارتفعت بقوة منذ انخفاض الجنيه مقابل الدولار وبخاصة بعد تعويمه، وبالتالي فإن ذلك الارتفاع قد أضاع أثر انخفاض سعر صرف الجنيه على تحسين القدرة التنافسية للصادرات.

كما ينطلق نموذج “الصندوق من أن تخفيض وتعويم العملة المحلية يساعد على تنشيط تدفقات الاستثمارات الأجنبية والسياحة الخارجية الوافدة إلى البلد الذي اتخذ هذا الإجراء، لأن تخفيض العملة المحلية يؤدي إلى زيادة القدرات الشرائية للعملات الأجنبية التي بحوزة السياح والمستثمرين الأجانب في ذلك البلد.

لكن ذلك التصور النظري قد لا يتحقق في الواقع الأكثر تعقيدا فالصادرات لن تزيد إلا إذا كان هناك إنتاج قادر على المنافسة العالمية نوعيا وسعريا وفائض عن حاجة الاستهلاك المحلي وقابل للتصدير، أو إنتاج موجه للتصدير في اقتصاد ينمو ويتطور وتوجد به استثمارات جديدة وفعالة تنتج تلك السلع، فالأصل هو وجود وتطوير القدرات الإنتاجية أولا.

العجز الخارجي والداخلي والديون الهائلة لا تلائم التعويم

يشير واقع الاقتصاد المصري إلى عجز مروع في إنتاج السلع الضرورية مما رفع العجز التجاري في العام المالي 2014/2015 إلى 39,1 مليار دولار، وبلغ العجز نحو 29,3 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2015/2016 طبقا للبيانات الرسمية. أما معدل الاستثمار الذي يمكن المراهنة عليه في زيادة الإنتاج والصادرات فقد بلغ 14,4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014/2015، وبلغ 14% في التسعة أشهر الأولى من العام المالي 2015/2016، مقارنة بنحو 22% في المتوسط العالمي ونحو 32% في دول الدخل المتوسط، ونحو 40% في دول الشرق الأقصى والمحيط الهادئ، وأكثر من 25% في المغرب وتونس والجزائر. وهذا المعدل المنخفض للاستثمار ليس من شأنه الاستجابة لأي طلب خارجي ولا حتى سد حاجة الأسواق المحلية، وبالتالي فإن تخفيض سعر صرف الجنيه بعد تعويمه لن يؤثر جديا في زيادة الصادرات المصرية.

كما أن الاستثمارات في مصر تركزت في النفط والغاز والعقارات والبنية الأساسية بصورة موجهة للاستهلاك المحلي أساسا. وبالتالي فإن الميزات التي يقدمها تخفيض الجنيه مقابل الدولار بالنسبة للصادرات لن تكون فعالة ببساطة لقلة الإنتاج القابل للتصدير. والواردات لن تتقلص إذا كانت واردات ضرورية لا يمكن تخفيض الاستهلاك منها حتى بعد ارتفاع سعرها بالعملة المحلية. أما الواردات غير الضرورية فالفئات التي تستهلكها مستعدة لدفع ثمنها في ظل استحواذها على جانب كبير من الدخل والثروة في مصر ولا مجال لإجراء تخفيض جوهري فيها إلا بإجراءات سيادية أو اتفاق واضح مع الغرف التجارية يتم تطبيقه على المستوردين على قدم المساواة.

كما أن قيمة الاحتياطيات الدولية لمصر في الوقت الراهن تقل عن 20 مليار دولار، أي ما يزيد قليلا عن ثلاثة أشهر من الواردات السلعية والخدمية. كما أن وجود طلب قوي في السوق السوداء لتمويل استيراد المخدرات والسلاح للأفراد وتهريب أموال الفاسدين يشكل طلبا سريا قويا يمكن أن يشعل المضاربات على الجنيه المصري بعد تعويمه.

وعلى صعيد آخر فإن عجز الموازنة العامة للدولة تجاوز مستوى 12% من الناتج المحلي الإجمالي وهو سبب رئيسي للتضخم ولتفاقم الديون الداخلية والخارجية. ومن المؤكد أن أي إصلاح حقيقي للاقتصاد المصري يتطلب إجراءات قوية لمعالجة هذا العجز والفشل التاريخي المتواصل للسياسة المالية التي أوصلت مصر إلى مستويات مروعة من الديون الداخلية التي بلغت نحو 2619,6 مليار جنيه مصري في نهاية يونيو الماضي، والديون الخارجية التي بلغت نحو 55,8 مليار دولار في التاريخ نفسه. ولو أخدنا مجموعهما معا وقسمناه على عدد السكان سيبلغ نصيب كل فرد صغيرا كان أو كبيرا من الديون العامة المحلية والأجنبية نحو 37 ألف جنيه. أما بعد أن تتلقى الحكومة القروض التي وعد بها صندوق النقد الدولي وبعد إضافة عجز السنة المالية الجارية فإن نصيب المواطن من الدين سيصبح قرابة 42 ألف جنيه بافتراض ثبات سعر الصرف عند مستواه الراهن.

سوء توزيع الدخل واستبعاد الترشيد الاختياري للواردات

يشير تقرير الثروات العالمي إلى أن أغنى 10% من السكان الراشدين في مصر كانوا يملكون نحو 61% من الثروة في مصر عام 2000، وارتفعت حصتهم إلى 65,3% عام 2007، ثم إلى 73,3% من إجمالي الثروات في مصر عام 2014. وهذا النمط من الاستحواذ على الثروات يضغ مصر بين الدول الأكثر سوءا في توزيع الثروات مقتربة من النموذج الأمريكي الذي يستحوذ فيه أغنى 10% من الراشدين على قرابة 75% من الثروة الأمريكية، والنموذج التركي الذي يستحوذ فيه أغنى 10% من الراشدين على 77,7% من الثروة التركية. وبالتالي فإن الأثرياء من هذه الشريحة لا يفرق معهم ارتفاع أسعار السلع الترفية أو الكمالية وسيستمرون في استهلاكها مهما كانت أسعارها بما يؤثر سلبيا على فعالية تخفيض الجنيه مقابل الدولار في تقليص الواردات، إلا إذا تم الترشيد بقرارات سيادية.

التضخم.. الأثر الوحيد المؤكد لتراجع الجنيه ورفع الأجور ضرورة حياة!

يعد الأثر المؤكد لتخفيض سعر صرف الجنيه المصري هو ارتفاع أسعار السلع المستوردة مقدرة بالجنيه المصري وقيادتها لموجة ارتفاع عامة في أسعار كل السلع وهو ما حدث فعليا، حيث ارتفع معدل التضخم إلى 14,1% في شهر سبتمبر الماضي الماضي. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي المبنية على بيانات رسمية مصرية إلى أن معدل التضخم سيبلغ 18,2% في العام المالي الحالي 2016/2017 (IMF, World Economic Outlook, October 2016, p. 238.). ومن المرجح أن يرتفع المعدل ليتراوح بين 20%ن 25% بعد تعويم الجنيه وانخفاضه في السوق الرسمية والسوداء على حد سواء. وكانت تقديرات الصندوق المبنية على بيانات رسمية تشير في أبريل الماضي إلى أن المعدل سيبلغ 9,6% عام 2016، ونحو 9,5% عام 2017. لكن التراجع السريع للجنيه مقابل الدولار أدى إلى تغيير التقديرات الرسمية والدولية التي تؤكد على ارتفاع كبير لمعدل التضخم بصورة موجعة للفقراء والطبقة الوسطى وبالذات لكل أصحاب حقوق العمل أي من يعملون بأجر حيث ترتفع أجورهم بمعدلات تقل عن معدلات ارتفاع الأسعار فتتآكل القدرة الشرائية لرواتبهم وتتراجع مستويات معيشتهم.

وترتيبا على ارتفاع معدل التضخم فإن مصر بحاجة إلى رفع الحد الأدنى لدخل العامل من مستواه البالغ 1200 جنيه شهريا الذي تحدد في بداية عام 2014، إلى نحو 1600 جنيه اتساقا مع معدلات التضخم المعلنة رسميا من الدولة والتي بلغت نحو 10,1%، 11%، 10,2% خلال الأعوام 2014،و 2015، و 2016 حتى لا تتآكل القدرة الشرائية للدخل ويبقى فقط كما كان عام 2014، علما بأن التضخم الحقيقي في عام 2016 سيزيد كثيرا عن التقديرات الرسمية له التي تم إعدادها قبل الموجة التضخمية الراهنة، وبالتالي قد يتطلب الأمر رفع الحد الأدنى للدخل عن هذا المستوى. وهذا الأمر حيوي للغاية لمعالجة جزء بسيط من الآثار الوبيلة للتعويم على الفقراء والطبقة الوسطى، ونفس الأمر بالنسبة لأرباب المعاشات الذين ستتفاقم ظروفهم المعيشية بصورة كبيرة.

ومن المعروف أن أي موجة تضخمية تعيد توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب حقوق الملكية الذين ترتفع أسعار ملكياتهم، على حساب أصحاب حقوق العمل ممن يتلقون الأجور والرواتب التي لا تزيد إلا بمعدلات تقل عن معدلات التضخم.

أما زيادة السياحة الأجنبية في البلد فترتبط بعوامل أخرى حاسمة مثل الأمان والحرية والصورة الخارجية للدولة والبنية السياحية. ومشكلة السياحة المصرية في الوقت الراهن لا علاقة لها بمسألة الغلاء الذي يتطلب تخفيض سعر الصرف لأنها رخيصة للغاية بالمقارنة مع الغالبية الساحقة من المقاصد السياحية الأقل قيمة من مصر. ومشكلتها كما ذكرت ترتبط بالصورة العالمية للأمان والحرية والانفتاح الإنساني في مصر.

أما زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية للدولة فيرتبط بوجود خريطة استثمارية جذابة ومغرية واستقرار أمني وسياسي، وسرعة وكفاءة ونزاهة إدارية في منح التراخيص والموافقات الضرورية لتأسيس الاستثمارات ومرونة فائقة في متابعة الاستثمارات الأجنبية ومتابعة إدارة الشراكات المحلية العامة والخاصة معها على أسس عادلة ومتوازنة.

وهذا يعني إجمالا أن تخفيض سعر صرف الجنيه المصري في الوضع الراهن للاقتصاد المصري سيؤدي لزيادة الأسعار وتآكل الأجور الحقيقية ولن يكون فعالا في ترشيد الواردات وتنشيط الصادرات والسياحة والاستثمارات.

ما بعد التعويم.. هل يمكن الحفاظ على استقرار الجنيه

من الضروري الإشارة إلى أن سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية ليس صنما مقدسا لجماعة وثنية، بل هو أداة يتم توظيفها لتحقيق أهداف اقتصادية متنوعة. وسواء كان سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية مقدرا بقيمته الحقيقية او أعلى منها أو أقل منها حسب اختيار السلطات النقدية، فإن الأهم هو أن يتسم هذا السعر بالاستقرار النسبي وبالتحرك البطئ في أي اتجاه بصورة تسمح باستقرار الحسابات المستقبلية للاستثمارات أو للاقتراض بالعملات الأجنبية. كما أن تحديد سعر الصرف يكون له أهداف محددة لابد ان يتم تقييم هذا التحديد على أساسها.

وبغض النظر عن أنه تم تعويم الجنيه فعليا وأصبح خاضعا بالفعل لقوى السوق الشرعية والسوداء التي يصعب معها السيطرة على سعره، فإن حركة سعره مقابل العملات الحرة الرئيسية سوف تتأثر بمؤشرات النمو والتضخم والبطالة التي تعد المؤشرات الرئيسية المعبرة عن الأداء الاقتصادي. وسوف يتأثر أكثر بنتائج الميزان التجاري وميزان الحساب الجاري والموازنة العامة للدولة وكلها تعاني من عجز كبير.

ترتيبا على ما سبق فإنه حتى في حالة التعويم غير المقبولة في الظروف الاقتصادية الراهنة، فإن تدعيم موقف الجنيه يتطلب معالجة عجز ميزان الحساب الجاري بإجراءات متعددة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.

ويأتي في مقدمة تلك الإجراءات، الضبط الصارم والفوري للواردات بإجراءات سيادية واتفاقات ودية مع الغرف التجارية لتقليل الواردات الاستهلاكية والمكونات المرتبطة بها، والإيقاف المؤقت لاستيراد بعض السلع الكمالية لتخفيض مجمل الواردات بنسبة لا تقل عن الربع. وهذا التخفيض في فاتورة الواردات السلعية كفيل باستعادة التوازن في ميزان الحساب الجاري على غرار ما فعلته كل دول شرق وجنوب شرق آسيا عامي 1997، 1998 لمواجهة أزمتها.

عجز ميزان السياحة للمرة الأولى

بلغت مدفوعات السياحة في الخارج نحو 4091 مليون دولار في العام المالي 2015/2016. ولأول مرة تتعرض مصر للعجز في ميزان السياحة، حيث بلغت قيمة الإيرادات السياحية نحو 3767,5 مليون دولار في العام المالي المذكور، أي أن هناك عجز في ميزان السياحة قيمته 323,5 مليون دولار، وهو وضع يزيد من صعوبة معالجة آثار تعويم الجنيه في ظل تحول السياحة من مصدر للنقد الأجنبي إلى مستنزف له. وهذا التحول الخطير في الميزان السياحي ينبغي أن يستتبعه ترشيد السفر للسياحة في الخارج لمختلف الأغراض وذلك بقرارات إدارية، فضلا عن السعي الدؤوب لاستعادة زخم السياحة الخارجية على مصر عبر تحسين الأمان وصورة مصر في الخارج في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى المتعلقة بالاستقرار والحريات.

وينبغي أن يكون واضحا أن الدول والشعوب الحية تستطيع الاحتشاد لمعالجة عثراتها حتى لا تصل للتبعية الكاملة لمن يقدمون لها مساعدات مسمومة ومشروطة دائما بانتهاج سياسات تحقق مصالحهم وأحيانا بتنازلات أشد جسامة تمس قدس أقداس الوطن. وذلك الاحتشاد ينبغي أن يتسم بالعدل وتوزيع الأعباء حسب مستويات الدخول.

كما أنه من الضروري أن يتم احترام سيادة الجنيه المصري في سوقه بحيث لا تتم أي تعاملات داخل السوق المصرية إلا من خلاله، ولا تكون هناك أية حسابات بأي عملة غيره سوى للمستوردين والمصدرين والعاملين بالخارج ومن يتلقون تحويلاتهم على أن يكونوا ملزمين بتحويل أرصدتهم بالعملات الحرة إلى الجنيه المصري إذا أرادوا سحبها واستخدامها في السوق المحلية.

ولابد من احترام حقوق المودعين في الحصول على سعر فائدة حقيقي إيجابي يزيد عن معدل التضخم لتشجيع المواطنين على الاحتفاظ بعملة بلادهم والادخار بها. وقبل كل ذلك لابد من تركيز الاستثمارات العامة والخاصة في القطاعات الإنتاجية أي الزراعة والصناعات الزراعية والصناعات التحويلية بكل أنواعها لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على إنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها المجتمع لتقليل الحاجة للاستيراد والعجز التجاري الكبير المرتبط به، وأيضا لخلق فرص عمل حقيقية ومنتجة تؤدي إلى تشغيل العاطلين وتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة ومن الخروج من دائرة الفقر. وهذا الأمر قد يتطلب تأجيل بعض مشروعات البنية الأساسية والعقارية مثلما فعلت ماليزيا لمعالجة أزمتها الكبيرة عام 1997 وتمكنت بدون اقتراض من صندوق النقد الدولي وبدون تطبيق لبرنامجه من الخروج من أزمتها أسرع من كل دول شرق وجنوب شرق آسيا.

وبالمقابل ينبغي العمل بشكل حثيث لرفع معدل الاستثمار المحلي في المجالات الإنتاجية، وجذب الاستثمارات الأجنبية في الصناعات التحويلية الضرورية بالذات، وذلك لزيادة الإنتاج والصادرات السلعية. كما ينبغي بذل اقصى الجهود لاستعادة زخم السياحة الأجنبية في مصر وتوسيع وتعزيز خدمات النقل عبر قناة السويس، والصيانة والتموين للسفن المارة فيها، والسياحة القصيرة لأطقم العاملين عليها لمضاعفة الإيرادات التي تحصل مصر عليها من قناة السويس.

إن ما يحدث على جبهة الجنيه والدولار يعكس مجمع الخطايا للسياسات المالية والنقدية والاقتصادية الكلية المتراكمة منذ سنوات طويلة والتي تحتاج لتغييرات جوهرية تنتصر لضرورات النمو والعدالة الاجتماعية التي تشكل هي نفسها رافعة رئيسية للنمو المتواصل من خلال ما تؤدي إليه من استنهاض مضاعف الاستثمار وهو جوهر أي دورة نمو وازدهار اقتصادي.

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يتعلق دائما بتطوير قدرات البلد على إنتاج السلع والخدمات بصورة عالية الكفاءة وتنافسية وقادرة على المنافسة محليا ودوليا. ويتعلق أيضا بنمو ذلك الإنتاج بمعدلات تتجاوز معدلات النمو السكاني لتحسين مستويات معيشة البشر كهدف أعلى. ويتحقق ذلك من خلال خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل للاستثمار في المجالات الأكثر حيوية وضرورة بما يؤدي لخلق فرص العمل وتمكين البشر من كسب عيشهم بكرامة وإخراجهم من دائرة الفقر بما يؤدي إلى إنهائه تدريجيا مع تبني سياسة تحويلات فعالة للفقراء غير القادرين على العمل. كما أن تمويل ذلك الاستثمار يعتمد أساسا وبنسبة كاسحة على التمويل الوطني من خلال المدخرات المحلية بكل ما يتطلبه ذلك من احتشاد ورفع معدلات الادخار بكل السبل المعروفة، إضافة إلى الاستثمارات الأجنبية التي تعمل وفق شروط عادلة في ظل إجراءات ميسرة لا تعرقلها بيروقراطية فاسدة، وفي القطاعات التي يحتاجها الاقتصاد. وهذا الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى سعر صرف عادل ومستقر نسبيا بصورة تتوافق مع احتياجات الاقتصاد، وسياسة مالية منضبطة تعمل على توازن الموازنة العامة للدولة، وعلاقات خارجية ترتبط بضرورات الحياة والإنتاج، وسياسة تشغيل فعالة ومرتبطة بحفز الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وسياسة دعم وتحويلات للفقراء فقط.

وينبغي إدراك أن مصر بناتجها المحلي الإجمالي الحقيقي البالغ 996,6 مليار دولار عام 2015 طبقا لتعادل القوى الشرائية بين الجنيه والدولار والتي تأتي في المرتبة 22 على العالم، وبناتجها المحلي البالغ 330,8 مليار دولار وفقا لسعر الصرف السائد والذي يضعها في المرتبة 32 على العالم (قاعدة بيانات البنك الدولي) وبسوقها الضخمة المكونة من 90 مليون مستهلك تملك أسسا قوية لتحقيق النهوض الاقتصادي. كما أن انفتاحها الاقتصادي على العالم وارتباطها بمناطق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والإفريقية بما يفتح أسواق عملاقة امام أي استثمار محلي أو أجنبي يتوطن فيها يشكل عامل جذب مهم للاستثمار فيها لو أحسن توظيفه. كذلك فإن مصر بقوة عملها الضخمة التي تزيد عن 30 مليون من مختلف المستويات المهارية وفقا للبيانات الرسمية، وبثرواتها الزراعية والبحرية والمعدنية والمحجرية، وبموقعها الاستثنائي في قلب العالم وعلى تخوم أسواقه الكبرى ومصادر الخامات والطاقة الرئيسية، لقادرة على النهوض وتحقيق التنمية الشاملة شرط إحداث تغييرات جوهرية في السياسات الاقتصادية والابتعاد كليا عن العمل بنفس سياسات عصر مبارك التي التي يُعاد إنتاجها والتي لم تنتج أصلا سوى البطء الاقتصادي وغلبة القطاعات الطفيلية على القطاعات الإنتاجية وسوء توزيع الدخل والفقر والبطالة.